مقالات رحاب
أنا من مواليد 23 يوليو 1970

تاريخ:7/7/2005 12:00:00 AM

قرأت في عدد جريد الوطن الصادر يوم الاحد الماضي دعوة بلدية ظفار لجميع الذين ولدوا في 23 يوليو 1970 لكي يحضروا الى مخيم البلدية في سهل اتين لكي يحتفل بهم في هذه المناسبة المباركة.
لا شك بأنها دعوة رائعة، ولفتة ابداعية بارة تليق بكل المحظوظين الذين ولدوا يوم التغيير.
تمنيت لو أكون واحدا منهم، غير أنني بعد ان رجعت في الزمن، وجدتني في صباح 23/7/1970 أفتح عيني على واقع جميل أشبه بالحلم الرائع، كان رذاذ الخريف يلثم في دلال الأشجار والكثبان والنباتات، وكان الضباب الساحر يلف بقاعا من سهل حمران، ويتصاعد متسلقا قمة جبل ناشب، فيما هدير أمواج البحر يعانق خرير مياه عين حمران التي فجرها الخريف. لم تكن أصوات المحركات يومئذ معروفة في قاموس المكان، وعلى غير توقع أو موعد جاء بشير يركض بأقصى ما يستطيع.. كان قد غادرنا قبل ذلك بنحو ساعتين من الزمن على ما أذكر اليوم، جاء مبشرا قائلا: أبشركم، أبشركم، ابشركم لقد جلس قابوس على العرش !! ثم أكمل وهو يلتقط أنفاسه: ووعد الناس بالعدل وتغيير الاوضاع.. ثم أكمل وهو يضحك ويلهث.. و.. وقال: (أنا فرد من أفراد الشعب).
بنفس الصيغة، وبنفس هذه الالفاظ اذا لم تخني الترجمة من الجبالية الى العربية !
تداعيت مع أطفال المخيم، واقبلنا على البشير، نصغي ونسأل، ونستوضح، ماذا يعني هذا الكلام ؟ ما شأننا نحن بهذا التغيير ؟!
كنا أطفالا، كانت الحياة عبارة عن صباح نملؤه لعبا بريئا منذ بزوغ الشمس الى ان تغيب، ثم ننام بعد الغروب بقليل، كان عمري يومئذ ثماني سنوات، لم أكن اعرف المدرسة، وكانت معرفة القراءة والكتابة حلما يداعبني، وخاصة عندما كنت أنظر الى بعض الناس الذين كانوا يعلقون أقلاما ذهبية اللون في جيوب قمصانهم، وكانت حركتهم مميزة، يتصنعون التميز باعتبارهم متعلمين، ويفكون الخط، وكان طموحي يومها يشرئب لعلي أكبر وأتعلم القراءة والكتابة ثم أحصل على قلم وأضعه مثلما يضعونه في جيوب قمصانهم.
تتالت التفسيرات تشي أقوالا وتكهنات حول القادم الجديد (حاكم عادل) (افرج عن جميع السجناء) (فتح المدارس) (أزال الاسلاك الشائكة عن جميع المدن) (سمح بعودة جميع العمانيين) (مسح آلام الماضي) (اصدر عفوه عن جميع المعارضين السياسيين) (يستخدم لغة خطابية ايجايبة تشيع الأمن والسلام وتدعو الى التكاتف والوئام) يصالح كل الذين يرغبون في الصلح والسلام، قلبه ممتليء شفقة ورحمة، صدره يتسع جدا لكل الاراء وان اختلفت مع رأيه.. بدأت ذاكرتي الصغيرة تشحن بهذه المفاهيم الجديدة، وبدأنا نرى التغيير السريع، ولم تمر فترة طويلة حتى صرنا نسمع أزيز المحركات، ثم نسمع حركة السيارات تقطع الطريق بين صلالة وطاقة، وشيئا فشيئا بدأنا نرى طائرات تعبر الاجواء وكان كل ذلك يحدث في ظرف شهر من تاريخ البشرى التي زفها الينا الرجل الذي غادرنا في فجر 23 يوليو ثم عاد إلينا بعد ساعتين، عاد راكضا لكي يذيع فينا النبأ السعيد.
إنني وزملائي الذين فتحوا عيونهم وأفئدتهم وقلوبهم على ايقاع ذلك اليوم الأغر، نعتبر تاريخ ميلادنا هو يوم 23/7/1970، بل ميلاد عمان كلها، من شمالها الى جنوبها، بل ميلاد عمان تاريخا، لأن التاريخ العماني والثقافة العمانية أعيد توثيق تاريخ ميلادها في نفس ذلك اليوم من الزمن، فبعد مرور فترة قصيرة جدا، القت مروحيات (الهليوكبتر) منشورات مكتوبة بخط أخضر جميل، لم أكن اعرف قراءتها يومئذ، لكنني عرفت لاحقا بعد ان من الله عليّ بنعمة التعليم بأن محتواها كان يتضمن دعوة جميع العمانيين الى إحياء هويتهم الثقافية، والالتحام فيما بينهم لتحقيق التكاتف والوحدة الوطنية وصقل الطاقات وتحرير جميع الموارد البشرية للنهوض بعمان.
قبل أيام من كتابة هذا المقال كنت مع والدتي في نفس المكان نحتفل بالخريف في خيمة معدة جيدا، مزودة بجميع أسباب الراحة وفيها تليفزيون يعمل على مولد كهريائي يتبعنا حيثما نرحل، وفيها مكتبة جميلة طريفة تحتوي على مجلات وكتيبات وأسطوانات يستخدمها ابنائي وابناء أخواتي من اجل القراءة والاطلاع الذاتي، وبجوار الخيمة تقف سيارة جميلة هي سيارتي، مثلها يصطف رتل من السيارات بجوار الخيام المنتشرة في أمن وسلام ورخاء على امتداد سهل حمران، والضباب عاد كعادته في مثل هذا الوقت من العام ليتسلق قمة ناشب، لم أمكث طويلا بعد ان ركنت سيارتي، فسألتني والدتي: هل حان وقت صلاة المغرب، وقبل ان أجيبها جاء صوت الاذان من منطقة المعمورة، ارتفع الاذان نديا تبثه كتل السحب وتتمايل عليه أمواج الضباب، فاستمعنا الى الاذان في خشوع، ثم توجهنا الى القبلة لصلاة المغرب حتى اذا فرغنا من الصلاة، دعونا الله سبحانه وتعالى ان يديم هذه النعمة وان يحفظها من الزوال وان يكافيء عنا قابوس خيرا ويمده بالعمر المديد ويحفظ لعمان أمنها واستقرارها تحت قيادته الحكيمة.

المصدر:http://www.alwatan.com/graphics/2005/07jul/19.7/dailyhtml/culture.html#4


تعليقك على الموضوع    
الأسم:
البريد الألكتروني:
العنوان:
التعليق