في الذكاء الروحي(2)
تاريخ:4/4/2006 12:00:00 AM
بالأمس كنت بمعية صديق حاصل على ماجستير في
العلوم الزراعية، وكنت أحدثه عن الذكاء الروحي، فسألني عن تعريف
علمي لهذا المصطلح. أجبته: أن الذكاء الروحي يتمثل في تمتع الإنسان
بقدرات روحية تتجلى في اتزانه الوجداني وشعوره بالأمن الذاتي على
نحو يمكنه من التصرف الناجح في مواقف حياته المختلفة بتلقائية وتوفيق
بدون عناء استسلامه للضغوط الخارجية. ومن أنواع هذه القدرات، قدرة
الذين يتمتعون بهذا النوع من الذكاء على استشراف المستقبل، وحسن
التصرف، مع تميزهم في اجتذاب الأسباب التي تهيئ لهم تحقيق أهدافهم.
تسير الأمور بالنسبة للذكي روحيا وفقا لنيته الصادقة، وسلامة صدره
ونقاء روحه وقلبه، وكان يعتبر من الجوانب الميتافيزيقية التي لا
يفطن لها العلم كثيرا، لا سيما بعد أن خضع العلم لسطوة التجريبيين
الماديين قرونا من الزمن، لكن التجارب الذاتية لكثير من المشاهير
والعلماء ودراسة سير الناجحين على وجه الخصوص من القادة والمصلحين
والأنبياء عبر العصور اسكت أفواه الملحدين والمشككين بقدرات غيبية
يمكن للفرد أن ينميها ويدربها. وتتفق جميع الأديان ومذاهب التصوف
على وجود بعد خارجي قابل للملاحظة وبعد غيبي باطني لا يخضع للعقل
المنطقي، وعنيد جدا على التحكم، ولا يخضع للضبط التجريبي الذي يمكن
أن يحوله الى تكميم وأرقام.
لكن فضول علماء النفس وتطوير الشخصية وهواة الميتافيزيقيا، جعل حركة
البحث في الذكاء الروحي تستمر، حتى أنك تستطيع إذا فتحت الإنترنت
بحثا عن كلمة الذكاء الروحي spiritual Intelligence فستطالعك آلاف
المواقع التي تتداول هذا المفهوم بشكل أو بآخر.
انتبه صديقي المهندس الى استرسالي فجذب إليه طرف الحديث متفاعلا
وقال: دعني أخبرك بقصة حدثت معي منذ أقل من ثمانية أشهر، فعندما
انتقلت إلى بيتي الجديد الذي سكنته فقط منذ أقل من سنة، وجدت قطة
ذهبية اللون، وجدتها حلت ضيفا علي بدون سابق دعوة! وبما أنني أحب
القطط فلم أخرجها من البيت. كانت مهذبة جدا، فكانت تستقبلني عند
الباب عندما أعود من العمل يوميا ثم تودعني عندما أخرج. وكانت مؤدبة
فلم تكن تمكث مطلقا بعد أن تقوم بالواجب، أجللت فيها هذه الدماثة
التي تمنيت أن تعلمها لكثير من البشر.
وذات يوم عدت من العمل كعادتي، فوجدت صاحبتي منتظرة في عتبة البيت،
نظرت إلي نظرة تومئ بأن أتبعها، اتجهت ناحية حديقة المنزل، ثم نظرت
بعد خطوات لتتأكد عما إذا كنت أتبعها، وعندما تأكدت بأنني أقتفيها
، سارت حتى وقفت عند زاوية في حديقة المنزل ونظرت إلي وكأنها تقول:
انظر، فنظرت فإذا بثعبان مقتول أسقطته هذه القطة أرضا، و كأنها تريد
أن تثبت ولاءها لي ، وأنها تحرس المنزل بأمانة وبسالة.
ذكرت لصاحبي قصة شبيهة يتداولها سكان محافظة ظفار حدثت منذ نصف قرن
تقريبا مع رجل كريم ، كان يطعم المسكين واليتيم وابن السبيل والقريب
والبعيد حتى اللصوص! رجل اعتاد أن يعطي بسخاء ، ولم تكن عنده أشياء
يعطي منها، لكنه كان يملك عددا جيدا من النوق ، فكان يُسخّر حليبها
لمكافحة الجوع والفاقة ويلبي حاجات الناس، وكان معروفا بحبه للإبل
نتيجة هذه الألفة والأريحية بينه وبينها. ذات يوم مرضت إحدى نوقه،
فمكث معها في كهف يطببها ويداويها، وينتظرها حتى تستعيد عافيتها،
وقبيل المغرب فوجئ بثعبان ضخم يزحف نحوه ، فابتدره بسيفه ، لكن سيفه
ارتد إليه خائبا دون ان يحدث أي أثر في الثعبان.
خاطب الرجل الثعبان قائلا: لك الأمان ، فلست أنا جبانا ولم يخذلني
سيفي. ذهب ذلك الثعبان الضخم دون أن يؤذي الرجل حتى تكور في شرفة
الكهف التي تطل على رأسه. انشغل الرجل بإيقاد النار ليتدفأ مع ناقته
، في حين خلد الثعبان إلى سكون ملحوظ ، وبينما كان الرجل نائما بالليل
، تسلل أسد مفترس ليهجم على ناقة الرجل ، فنزل ذلك الثعبان ليقوم
بالواجب وأردى الأسد أرضا، ثم عاد إلى شرفته بدون أن يوقظ الرجل
الذي قام من نومه ليصلي الفجر ففوجئ بجثة الأسد ملقاة على بعد أقدام
من ناقته.
يقول الرواة الذين لا يزال بعضهم أحياء: إن الثعبان مكث مع الرجل
الكريم طيلة بقائه في ذلك الكهف، حتى غادره.
سبحان الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وأعطى له من الطاقات
والإمكانات ما تظهر وتتحرر عندما يسمو بقيمه وأخلاقه ويهذب نفسه
وينشد مقام الإحسان في اعتقاده وتصرفه. عندئذ سيدرك كل شخص بأن القدرات
الكامنة في عقله الباطن سوف تخرج إلى حيز الفعل لأن ظهورها يعتمد
على مستوى مرتفع من الإيمان والحب والتفاؤل وحسن التوقعات و تحري
الحكمة التي يتفاعل معها الوجود بحركته وسكونه، ببشره ووحوشه.