سيمفونية التغيير(1)
تاريخ:4/4/2005 12:00:00 AM
أعرفه جيدا ، منذ كان صغيرا ، لكن تصرفاته
التي أراها وأقواله التي اسمعها الآن ، وحركاته التي تحدث أمامي
تشعرني وكأنني أمام شخص مختلف تماما ، فتقاسيم الجدية ، وصرامة
القرار التي يعكسها وجهه ، وكثافة التغيير الذي يحركه بقوة نفاثة
، وكلماته التي يتفوه بها بحماس استثنائي ، كل ذلك جعلني أتساءل
ما الذي حدث لهذا الشاب الذي أمضى أكثر شبابه في اللعب والزهد
فيما يعتبره الناس مفيدا .
كان والده يقول لي : لا تقلق ، صدقني سترى منه العجب يوما !
فأسأله : وماالذي يجعلك تقرر هذا بثقة ؟!
فيضحك ثم يقول : إنه سوي ، لقد ربيته بطريقة سوية ، لم أنفث
فيه حقدا ولم احشه بالكراهية ولم أقارنه يوما بأقرانه ، وأنا
متيقن بأنك سترى منه تحولا رائعا!
كان التحول يحدث أمامي ، تغيير في التفكير ، في كلامه ، يتحدث
عن المستقبل بتفاؤل ولأول مرة أجده متصالحا مع الحياة . طلبني
لكي أجلس اليه ، وقال بصوت واثق من نفسه : أريد أن أناقشك واستشيرك
! سكتُ ، لم أعلق ثم قلت له : وما الذي تريد أن تناقشني فيه
تحديدا ؟ فقال : مستقبلي!
وما الذي تريده لمستقبلك ؟
أريد أن أعمل شيئا يشعرني بوجودي ، أريد أن أضع أهدافا وان أنجزها
، هناك صوت داخلي يخاطبني : هيا تحرك ، يمكنك أن تنطلق .
فسألته : وما الذي تريده في هذه الحياة ؟ هل تريد مالا ، تريد
زواجا ؟ تريد وظيفة ؟
سكت .. أريد أن اعمل اشياء رائعة .. لا عليك ، لا أريد أن أعرف
احلامك ، فهذه ملكك ،
لكنني أود أن أسألك سؤالا : الى أي درجة تشعر الآن بضرورة التغيير
والعمل من أجل هدفك ؟ فقال : بدرجة قوية ، الا تراني جئتك بعد
صلاة الفجر مباشرة وطلبت الجلوس إليك ؟
فسألته : وهل شخصياتك الأخرى موافقة على هذا التغيير ، فسألني
وماذا تعني ؟ فقلت له: أعني الشاب العابث الذي يحب أن يسهر كثيرا
بصحبة اصدقائه ثم يأوي عند الفجر الى فراشه لكي يكمل السهرة
حتى تشرق الشمس ثم يأوي الى فراشه بعد أن يذهب الناس الى أعمالهم
، ليستقيظ الساعة الخامسة فيتناول فطوره !!!! ثم يستأنف مشوار
السهر !!
والشخص الذي يرتاد النوادي ، ويقاتل ويصالح في سبيل مباريات
كرة القدم ، والشخص الآخر الذي يتلذذ بإضاعة أوقاته لأنه لا
يشعر بقيمة للحياة الا في هذا .. أنا احترم خصوصية كل شخصياتك
، وأقدرها ! لكن التحول شيء مختلف تماما ، التحول يعني اقتلاع
هذه المستوطنات العقلية ، واستبدالها بعادات سوية ! وسيلتك الى
ذلك هي في المقام الأول صدق رغبتك أولا ، وتوافق ما تريده مع
معتقداتك ، وعدم وجود اجزاء متضررة في شخصيتك يمكن ان تعترض
وتبطل عليك مشروع التحول بأكمله . فسألني : ما الذي تعنيه بأجزاء
متضررة ؟
فأجبته : شخصيتك التي أدمنت السهر ، وشخصيتك الرياضية المتعصبة
، ونظرتك السلبية الى الحياة لكي تضمن لك أمنا ضميريا ، لكيلا
تشعر بالذنب البتة !
ابتسم ، وقال : جميع هذه الشخصيات تتصارع بداخلي ، فقلت له :
هذه الشخصيات متفقة بداخلك ، لأن مصالحها واحدة ! لكنها يمكن
أن تعترض وبقوة سحرية على أي تغيير من شأنه أن يعتدي على مصالحها
، الا اذا سلبت منها الرغبة ، وزرعتها في قرار التحول !
وكيف يمكنني ذلك ؟ فأجبته : اكتب أهدافك بالترتيب ؟ واسال نفسك
أمام كل هدف: الى أي درجة أنا مقتنع بهذا الهدف ؟ الى مستوى
يمكنني أن اعمل من أجله ؟ وهل يتوفر على أسباب رغبة حقيقية تجعلني
استمر في تحقيقه ؟ وهل يوفر لي درجة الرضا المطلوبة ؟ وهل هناك
في داخلي ما يعترض عليه ؟ كم يكلفني تحقيقه ؟ وما الذي سيتغير
في حياتي اذا حققته ، على المستوى المالي ، الروحي ، العقلي
، السري ، الشخصي ، الصحي ، الاجتماعي ؟
فسألني : وكيف أبدأ ؟ فأجبته وأنا أرى اصرارا وعزما غير عاديين
: اصدق نفسك ، واعرف ماذا تريد ، وابدأ بنية التغيير من الآن
، وحاور شخصياتك حتى لا تتعارك معك ، وابدأ على بركة الله !
وفي العمود القادم : سنرى ماذا حدث مع صاحبنا .