الآن! ضعي الحقيبة عن ظهرك
تاريخ:10/10/2005 12:00:00 AM
كان الجميع يتصرفون بشكل رسمي، يتحرون
تعليمات المراسم، يظهرون (ايكيتا) إلا هي، كانت عفوية جدا. تتصرف
بتلقائية. تلفت انظار الناس بثوبها البدوي. ببرقعها المصنوع
من قماش نيلي، بأساور فضية تقليدية ترقص في معصميها. تجلس وكأنها
الوحيدة في القاعة. تحيي من يرد عليها السلام بحميمية البدو..
كانت تقبل النساء وتصافح الرجال.
انتهت مراسم افتتاح الندوة. بدأت فقرة الندوة. كانت مصغية تتابع
جميع الجلسات باهتمام وتركيز. لفتت نظري وهي تغلق هاتفها النقال،
وتضع بجوارها حقيبة من القماش كانت تسأل اسئلة بسيطة لكنها عملية
وتعبر عن حاجتها بدقة، لم تكن تتصنع الفاظا، أو اسلوبا. كانت
نفسها تماما.
انتهت المحاضرة الاولى. خرج الحضور في استراحة. هرعت الى المحاضر
قائلة له: عندي اسئلة كثيرة! كما انني اريد مساعدتك، اريد ارشادك
ونصحك!
أصغى اليها المحاضر بحماس قائلا: تفضلي!
ردت مستطردة: انا اقوم بتمثيل نساء احدى المناطق اعمل في صناعة
الملابس البدوية، اصنع التحف، والمقتنيات البسيطة. ادخلت يدها
في الحقيبة ثم اخرجت شمائل ابل، ثم ادخلتها واخرجتها ثانية حاملة
محفظة مفاتيح مزركشة، ثم ادخلتها ثالثة في تلك الحقيبة العجيبة
فأخرجت تشكيلات لبراقع وازياء نساء، ورابعة فأخرجت حللا فضية
من تصميمها، واخيرا اخرجت هاتفها النقال وطلبت رقم المحاضر!
وقالت له: ارجو ان نراك في منطقتنا لكي تحاضر في النساء هناك!
أعجب المحاضر بهذه المرأة المنتجة، لم تكن خريجة جامعة، بل كانت
اما في العقد الرابع او الخامس، كاد العمل اليدوي ان يطمس معالم
انوثتها ويخرج الرجولة الكامنة في داخلها.
سألها المحاضر مندهشا: منذ متى وانت هنا في صلالة؟ فردت عليه:
منذ يوم افتتاح مهرجان الخريف! علقت احدى زميلاتها موضحة: انها
تمتلك معرضا في القرية التراثية في المهرجان.
سألها مرة اخرى: ومنذ متى وانت تمارسين هذا العمل؟
اجابت : منذ عشرين سنة!
سألها متندرا: اذن انت تاجرة وتمتلكين فلوسا كثيرة!
ردت: نعم والحمد لله ! لي زبائن في كل مناطق السلطنة، كما انني
امتلك محلا في سوق الحرف التقليدية، ولي زبائن في الخليج وفي
دول اوروبية! فتحت دليل الاسماء في هاتفها النقال ودفعت به الى
المحاضر قائلة: يمكنك ان تتعرف على بعض زبائني وتسألهم عن بضاعتي!
قرأ أسماء اجنبية وأرقاما دولية واخرى عربية ومحلية .. سألها:
هل تعرفين القراءة والكتابة؟ فردت: نعم ! لقد تعلمت في فصول
محو الامية، حتى أنهيت الصف الاول الاعدادي!
فسألها: هل لك أبناء؟ فردت عليه؟ نعم، لي ابن أنهى الدراسة في
الشهادة العامة وهو الآن بلا دراسة وبلا عمل!
سألها المحاضر: ولماذا لا يساعدك؟ أجابته: للأسف، تعلم ولكنه
يترفع عن هذا العمل النظيف والذي يحافظ على تقاليد وعادات ومهن
الآباء والأجداد.
سألها المحاضر: كيف جئت الى هذه الندوة؟ فردت عليه: سمعت من
خلال التليفزيون بأن ندوة ستقام حول الحرف التقليدية ونشاطات
المرأة، فقررت الحضور، وحملت هذه الحقيبة التي تراها على ظهري
وفيها ملابسي ومنتجاتي التي رأيت بعضها، وفيها امتعتي وركبت
سيارة بعد سيارة حتى جئت الى هنا، فقابلت احد المهتمين، فرحب
بي، ثم سجل اسمي في الندوة، ورتب لي الإقامة في الضيافة وقال
لي مشجعا: الآن ضعي الحقيبة عن ظهرك، واعرضي بضاعتك!.