مقالات رحاب
مملكة العقل

تاريخ:11/11/2008 12:00:00 AM

زارني شاب في أواخر العشرينات من عمره يطلب المساعدة لتقوية ذاكرته. وعندما وجدني مشغولا وأعطيته موعدا بديلا ، قاطعني بقوله: لكنني قد أنسى، فأنا أعاني من ضعف الذاكرة.
فسألته: كم مرة في اليوم تفكر بأنك ضعيف الذاكرة؟ أجاب: في حالات كثيرة، يراودني إحساس بأنني ضعيف الذاكرة في العمل وفي البيت، وكل يوم أشعر أن حالتي تسوء.
سألته: هل تتذكر لون سيارتك؟ أجاب وهو يضحك: نعم!
سألته كثيرا من الأسئلة البديهية فكان يجيبني بسرعة وبدقة، ثم سألته عن المناسبات السعيدة في حياته فكان يجيب بسهولة ودقة ووضوح.
أدركت أن الشاب يعاني خوفا من فقدان الذاكرة نتيجة موقف حدث له في العمل، فقد سأله مسؤوله يوما عن ملف معاملة ما، فارتبك، ولم يتذكر مكان الملف ، فاتهمه مسؤوله منذ ذلك اليوم بأنه ضعيف الذاكرة وانه ينسى حتى نفسه.
صار مسؤوله يتندر عليه على مسمع ومرأى من زملائه، حتى استطاع ذلك المسؤول بكل جبروت أن يرسخ قناعة النسيان في عقله، كشأن العديد من المتسلطين الذين يرسخون الهزيمة النفسية والشعور بالضعة وفقدان الحيلة في عقول من يعملون دونهم.
جلست مع ذلك الشاب، فأيقظت عنده حرارة العاطفة والرغبة، وقبل ان أبدأ معه التطبيق ، تأكدت من إجاباته على أسئلتي له بأن يتذكر وبالتفاصيل جميع المناسبات والمواقف التي صاحبها انفعال قوي سواء أكان إيجابيا أم سلبيا.
أكدت له أن عقله الباطن يمتص جميع المواقف والخبرات التي مرت في حياته، سواء بوعي منه او بدون وعي. وقلت له كذلك: بأن الإنسان عبارة عن ذاكرة لها سيقان وأيدي، وأن الحياة كلها عبارة عن اسطوانة تعيد التفاصيل التي تم تسجيلها مسبقا.
بعد ذلك طلبت من ذلك الشاب أن يسترخي قليلا ، وهيأته لإستعادة تجارب لذيذة تثير في عقله استجابات الفرح والبهجة والثقة، ولم تمض ثلاثون ثانية حتى صار يرى ويسمع مشاهد وأصوات لتجارب رائعة مرت في حياته، وساعدته أن ينفعل بها، وأن يفسح لها الطريق إلى خلايا عقله وجسمه وأعصابه.
لاحظت نور الفرح يصبغ محياه، ويفتح عينيه ويسرع دقات قلبه. أدركت فعلا أنه صار يبحر في تلك اللحظات المثيرة التي بدأت تظهر في عقله فيراها ويسمعها، ويتفاعل معها بكل جوارحه وأعضائه، وعندما بلغ ذروة أحاسيسه، طلبت منه أن يثبتها بإشارة سبابة يده اليمنى ، وكأنه يخزنها بتلك الإشارة المميزة وذلك بأن يقبض جميع أصابع يده اليمنى ويرفع سبابته وينظر إليها لمدة تتراوح بين خمس إلى عشر ثوان فقط. ثم يعيدها إلى وضعها السابق ويفعل شيئا يخرجه من تلك الحالة التي دخل فيها إلى الحالة العادية. بدأنا الحديث عن أشياء مختلفة، وبعد مرور عدة دقائق طلبت منه أن يرفع سبابته إلى المستوى السابق، ففعل. هنا لاحظت تغيرا رائعا على ملامحه، وبدأ وجهه يعبر عن حالة من السرور والإنسجام.
خاطبت الشاب قائلا له: عليك أن تتصور النتيجة التي ترغب فيها بكامل الحس، وبعد ذلك دع النتيجة تتغلغل إلى الذكاء اللانهائي الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لعقلك الباطن.
اختر من مملكة العقل التي بداخلك ما يدعم لديك الثقة بالنفس والطمأنينة وكن متيقنا بأن كل شيء ترغب في تذكره تستطيع أن تتذكره. احرص أن تفجر ينابيع الحماس متى أردت أن تتعلم أو تحفظ شيئا، إياك أن تقرأ ما ترغب في حفظه بدون مبالاة وبشعور فاتر.
اجعل الطمأنينة عادتك، واحذر أن تشك في ذاكرتك، ودرب نفسك أن تتحمس للحياة. اذهب إلى عملك وذكّر نفسك بالأشياء التي لو أنجزتها ستشعر بالإثارة والإنجاز، ودرب نفسك أن تولد مشاعرك الرغبة والحماس في سائر أنشطتك المألوفة وخاصة تلك التي ترغب في تذكرها. اجعل الحياة مثيرة وخض أحداثها ومشاهدها بكل حب وفضول وشغف، عندئذ سوف تدرك بأنك تمتلك ذاكرة جبارة وقلبا مفعاما بالحماس يخزن في داخلك ديمومة الجمال والروعة.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

المصدر:جريدة الوطن


تعليقك على الموضوع    
الأسم:
البريد الألكتروني:
العنوان:
التعليق