من سيرابيس إلى اليمن(1/10)
فشلت جميع محاولات السفر جوا إلى جزيرة مصيرة. رُبّ ضارة نافعة، خاطبت نفسي متفائلا: وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. لا مناص إذن من الذهاب إلى الجزيرة برا، لا بد أن ألبي دعوة أهلي وإخواني في جزيرة مصيرة لإلقاء سلسلة محاضرات حول التنمية الذاتية ومتعة التفوق والتفكير الإيجابي. كان هاتفي يرن من وقت لآخر متلقيا التذكير من الفاضلة رئيسة الجمعية الأستاذة أميرة الفارسي تذكرني بالوعد الذي قطعته على نفسي منذ شهر نوفمبر 2008 عندما التقيتها و زوجها في دورة مهارات الإتصال الفعال في مسقط. اكتشفت يومها حرص هذه الأسرة على الإرتقاء بسكان الجزيرة، وشدني حبهما الشديد للجزيرة اسما وتاريخا وسكانا وهوية وثقافة. و حالت سفرات كثيرة وبرامج عديدة دون زيارتي للجزيرة منذ ذلك التاريخ الذي تلقيت فيه الدعوة، وفي شهر يناير الماضي وعدت تلك الاسرة الكريمة بأن أزور الجزيرة وتحديدا في الفترة من 23-24 فبراير. انشغلت طيلة شهر يناير وإذا بالأسبوع الأخير من الشهر يطرق بابي ويضيء علامة حمراء في جدول مواعيدي. لقد وعدت، وعلي أن أجد وسيلة سريعة ومريحة تنقلني من صلالة إلى مصيرة، ثم إلى مسقط، فالرياض فأبها بالمملكة العربية السعودية ثم مكة، فالرياض، فمسقط، ثم صلاله.
وجدت خريطة رحلتي واسعة ومخيفة، فكيف لي في أيام معدودة أن أغطي هذه الأماكن، وخاصة إذا كانت رحلتي إلى مصيرة برا! لكنه الوعد والإلتزام، فقد أرسلت جدول المحاضرات، وأعددت عدتي و هيأت نفسي لمن شرفوني بهذه الدعوة ليضاف إسمي وتسجل جهودي ضمن ثلة من المتخصصين في التنمية الذاتية والتربوية والصحية استضافتهم الجزيرة بدعوة من الأخت الفاضلة أميرة وزوجها أبي عبدالله سعيد السعدي.
لا مناص إذن من الرحلة البرية، وبينما كنت أهيء نفسي لهذه الرحلة، زارني أخي وصديقي الاستاذ علي محاد المعشني، وعلم مني أنني على وشك أن أسافر بعد يوم إلى جزيرتنا( كما تسميها) الاستاذة أميرة. فنظر في وجهي وأدرك حيرتي وجهلي بما ينتظرني من صحاري وفيافي علي أن أقطعها من صلاله إلى أن بر الحكمان، مرورا بمحطات ومنحنيات حتى أصل إلى الدقم ثم إلى الجزيرة عبر عبارة تعمل على مدار اليوم بين الجزيرة والبر. قرر مشفقا أن يضحي بوقته ويرافقني لا سيما وأنه يعشق السفر والترحال، وله سابق خبرة بالجزيرة وبجميع الطرق التي تؤدي إليها برا وبحرا وجوا، فهو من عشاق الجزيرة لطبيعتها وهدوئها وتاريخها.
شكرت لأخي أبي أحمد تضحيته، وفي الساعة السابعة صباحا من يوم الأحد الموافق 22فبراير أدركته بسيارتي في نيابة قيرون حيرتي، فوجئت أنه قد سبقني بسيارته اللاندر كروزر، فأردفني معه، وتخليت شاكرا عن الذهاب بسيارتي.
كان الصباح مشرقا وجميلا، وانطلقنا في تلك الرحلة البرية الجميلة التي كلما أوغلنا فيها شعرت أن أعماقي تتسع وان عيني وعقلي وقلبي وجوارحي وأحاسيس كلها تلهج شكرا لله سبحانه وتعالى أن قذف بي في هذه الرحلة الفريدة، فعمان كلها جميلة ورائعة، نظيفة وجذابة، آمنة مطمئنة، تخيلت رحلة قديمة قام بها عمي رحمه الله من شمال السلطنة إلى ظفار على جمل، واستغرقت رحلته فترة تزيد على الثلاثة شهور حتى وصل منهكا مرهقا بعد أن هلك زميله من وعثاء السفر وكآبة الظروف التي لقيها اثناء رحلته قبل حوالي خمسين عاما من الآن. أما هذه الرحلة فبدلا من أن تصير سفرا مرهقا فقد صارت والحمد لله نزهة جميلة، تحفنا شمس دافئة لطيفة وهي تحيل كل شيء إلى ذهب، التلال والرمال، حتى السراب يصبح جذابا وجميلا وهو يتلون مع الشمس متحولا إلى طبقات وألوان متدرجة التوهج تشي بالجمال والروعة، وباتساع الصحراء تنشرح النفس، وبطول الطريق يتسع الخيال، وبتنوع الطرق والأماكن يكبر في عقلي حجم الإنجازات الضخمة التي تحققت في بلدي في هذا العهد الزاهر. وصلنا ولاية هيما، عاصمة المنطقة الوسطى، هذه الولاية التي تشهد تطورا يكاد يمسحها من أطلسي الذهني كمنطقة صحراوية زرتها لأول مرة في صيف 1982، وخلال مروري المتكرر منذ تلك الفترة تفاجئني الولاية كل يوم باتساعها ونظافتها وتنوع الخدمات فيها، تكاد ملامح الصحراء تتغير، حيث صار العمران غالبا وتراجع الصحراء ليصير استثناء ، فمن هيما إلى محوت وصولا إلى الدقم كان العمران متصلا والحياة تنبض بالتغير والإنجازات تكبر والأماكن والاجواء والبشر كلها تتفاعل في سيمفونية رائعة يقوم فيها الإنسان العماني المعاصر بدور تاريخي تحتفظ به ذاكرة المكان والزمان وإلى لقاء.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية
www.anajahcenter.com