الشمس لا تغيب
تاريخ:4/4/2004 12:00:00 AM
شعرت بحب يغمرني ، بدأت هالته تمطر المجلس
سكينة، أحسست طاقته تطفو في ملامح الحاضرين.
كان كفيف البصر ، لكن حضوره القوي يجتذب طاقة روحية من جهة لم
نكن نراها ، تخرج عباراته ندية ، مفعمة بالحب والصدق والصفاء والسماحة
لكل شيء في الحياة . يقول عن نفسه : أنه ولد من جديد !.
عاش أربعين سنة من عمره حياة عادية جدا ، وتطور في سلك المهن العسكرية
حتى صار بوظيفة لواء ، استمرت حياته لا تتعدى تأدية روتين وظيفته
، ثم الاستمتاع بأوقات الفراغ مع الأسرة والأصدقاء .
على غير توقع ؛ تعرض فجأة لحادث سير مروع افقده البصر تماما ،
استيقظ من الخدر الطبي بعد ستة شهور ليقول له الطبيب وهو يشد على
يده اليمنى ، حمدا لله على السلامة ..
هناك أفاق أنه لا يزال حيا ، لكنه لا يرى الا سوادا يهيمن على
الحياة من حوله . التفت يمينا .. شمالا ، نظر إلى أعلى، ثم إلى
أسفل ، يسمع أصوات حميمة ، زوجته .. أطفاله ، أصدقاءه لكنه لا
يرى وجوها !
أدرك عندها أن عهده بالبصر قد انقضى وان ميلادا من المحبس البصري
قد اقبل.
شكر الله تعالى وعيناه تبثان دموع الاحتساب والرضا .. ( شكرا لله
، شكرا لله على ما أعطى) .
يقول عن نفسه : منذ تلك اللحظة غيرت أسلوب حياتي تماما ، وجدتني
أعثر على نهار الله الذي لا تغيب شمسه في داخلي . وبالرغم من فقدان
الرؤية الحسية الخارجية فإنني اقتربت أكثر من الوجود الكوني الرحب
بداخلي .
أحسست بثقة غير مألوفة ، وشعرت بقوة جبارة تنبثق في أفكاري وخواطري
، ورأيتني قادرا على أن أغير ذاتي ، وأستبدل عاداتي وسلوكياتي
السابقة ، أقبلت على نفسي ، رفعت يدي وبدأت احسب مع كل إصبع من
أصابعي ما وهبني الله من طاقات ، ومن إمكانيات وعوامل قوة لا يتمتع
بها غيري ، فأنا أستطيع ان استدعي مشاعري وأسيل منها تيارا من
الحماس والثقة والشعور بالمتعة وبالشجاعة ، كما أنني أستطيع ان
أتذكر جيدا ، وعندي رغبة في حفظ القرآن وفي تعلم لغات أجنبية ،
وفي داخلي أيضا مشروعات فكرية أتت تطالبني وتلح على ان أنجزها
قبل فوات الأوان ، كما يمكنني ان أطور طاقتي في الحدس وتنمية الشعور
الذاتي بالزمن وتطويله أو تقصيره من خلال تحويله إلى مشاعر وأحاسيس
ايجابية ، فضلا عن هذا أدركت بمرور الأيام أنني قادر على تنمية
حاسة اللمس والسمع والذوق والشم بدرجة ملحوظة ، وقفزت الى ذهني
مقولة حفظتها منذ كنت ضابطا ( لا يوجد مستحيل ما دمت قادرا على
التنفس ) .
استأنفت الدراسة فحصلت على ثلاث شهادات ماجستير في الدراسات الاستراتيجية
والقومية العربية والدراسات الإسلامية وختمتها بشهادتي للدكتوراة
في الأمن والمياه وفي الأمن والسلام في القرآن الكريم . وجدت أن
لدي وقتا فكتبت للمجلات ، بدأت أسافر ممثلا لبلدي في كثير من البلدان
والمؤتمرات العلمية ، وتزاحم على باب بيتي وهاتفي الصحافيون ونجوم
التليفزيون من قنوات شتى يطلبون مني أحاديث ولقاءات .
بالإضافة إلى ذلك كله ، بدأت أمارس رياضة التأمل وأعيش تجارب ذوقية
لا أستطيع أن اصفها بأي لغة أو كلمات ، وكما ترى فأنا بلغت السبعين
عاما ، فكم سنة تعطينني ، فكرت ثم قلت له : اعتقد بأنك في العقد
الرابع من العمر وعلى مشارف الخامس ، فقهقه وقال : أنا بلغت السبعين
، لكنني ولله الحمد اشعر كما لو انني في الثلاثين.
ويستطرد الرجل العصامي في حديثه قائلا : ما فعلته ، يستطيع غيري
أن يفعله ، ما فعله غيري ونجح فيه أستطيع ايضا ان افعله ، لأن
الله سبحانه وتعالى لم يبخس أي مخلوق حظه من القوة والامكانيات
التي تفتح ابوابا على دروب القوة اللامحدودة لأن قدرته تعالى لا
تنتهي الا حيث ينتهي تفكيرنا ، فشطآن رحلتي ورحلتك ، نحن من يحددها
ويرسم لها علامات النهاية . والى لقاء.
أحمد بن علي المعشني